ابن ميثم البحراني

53

شرح نهج البلاغة

لا يصدّق وأنّه لا يطمع في نصرهم وأنّه لا يوعد بهم عدوّهم إذ كان وعيده بهم مع طول تخلَّفهم وشعور العدوّ بذلك ممّا يوجب جرأته وتسلَّطه وأمانه من المقاومة . ثمّ أردفه بالاستفهام على سبيل الاستنكار والتقريع عن حالهم الَّتي توجب لهم التخاذل والتصامم عن ندائه وهو قوله : ما بالكم . ثمّ عن دوائهم الصالح للمرض الَّذي هم فيه . ثمّ عن كيفيّة علاجهم منه بقوله : ما دوائكم ما طبّكم . وقيل أراد بقوله ما طبّكم أي ما عادتكم والأوّل أظهر وأليق . ثمّ نبّههم على ما عساهم يتوهّمونه من قوّة خصومهم وبأسهم بأنّهم رجال أمثالكم في الرجوليّة الَّتي هي مظنّة الشجاعة والبأس فلا مزيّة لهم عليكم فلا معنى للخوف منهم . ثمّ عاد إلى سؤالهم على جهة التقريع ونبّههم به على أمور لا ينبغي ، منفور عنها ، مستقبحة في الشريعة والعادة . فأوّلا : عن قولهم ما لا يفعلون وهو إشارة إلى ما يعدون به من النهوض إلى الحرب ثمّ لا يفعلون وذلك بقوله : أقولا بغير عمل تذكيرا لهم بما يستلزم ذلك من المقت عند اللَّه كما أشير إليه في القرآن الكريم « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ » ( 1 ) وعلى الرواية الثانية وهي أقولا بغير علم أي أتقولون بألسنتكم ما ليس في قلوبكم ولا تعتقدونه وتجزمون به من أنّا سنفعل كذا . ويحتمل أن يكون معناه أتقولون إنّا مخلصون للَّه وإنّا مسلمون ولا تعلمون شرائط الإسلام والايمان . وثانيا : عن غفلتهم الَّتي ليست عن ورع وهي عدم تعقّلهم للمصالح الَّتي ينبغي أن يكونوا عليها وهي طرف التفريط من فضيلة الفطانة . وهذه بخلاف الغفلة مع الورع . فإنّ تلك نافعة في المعاد إن كان الورع عبارة عن لزوم الأعمال الجميلة المستعدّة في الآخرة فالغفلة معه عن الأمور الدنيويّة والمصالح المتعلَّقة بجزئيّاتها ليست بضارّة ، بل ربما كانت سببا للخلاص من عذاب ما في الآخرة . وثالثا : عن طمعهم في غير حقّ أي في أن يمنحهم ما لا يستحقّونه لينهضوا معه ويجيبوا دعوته ، وكأنّه عليه السّلام عقل من بعضهم أنّ أحد أسباب تخلَّفهم من ندائه

--> ( 1 ) 61 - 3